سماء حمراء – يوسف هوخمان

 

لكنني أردت شيئًا إضافيًا، إضافة إلى ما هو موجود 

يجمع المعرض الفردي للمصور يوسف هوخمان مرحة نشاط تمتد على أكثر من نصف قرن. منذ خمسينيات القرن الماضي يعمل هوخمان على التوثيق والتصوير، منذ أن لمست يده الشابة الكاميرا، دقائق دوائر حياة الإنسان، والكيبوتس، والمجتمع والعالم.
كمثاليّ، وعضو في حركة هشومير هتسعير والتأهيل للهجرة إلى إسرائيل، ولاحقًا عضو في الكيبوتس، تابع هوخمان الإتوس الصهيوني، من خلال توجيه أنظاره إلى أجزائه الأقل جمالًا أيضًا. بعضها فُرضت عليه رقابة ذاتية على مدار السنين بسبب صعوبة كشفه أمام المجتمع اليهوديّ الإسرائيليّ. كعضو في كيبوتس هرئيل إلى حين انشقاقه (الثاني)، ومن ثم عضوًا في كيبوتس جعاش، فهو يتحدث عبر صوره الفوتوغرافية عن دور الكيبوتس في تشكيل المجتمع الإسرائيليّ ويفكر في الكيبوتس بصورة شخصية. وكعضو في جماعة "الكيبوتس مشترك"، التي نشطت نهاية سبعينيات وحتى تسعينيات القرن الماضي، كمجموعة فنّانين من الكيبوتس التي انشغلت في الفن، والمجتمع، والنشاط السياسي والبيئة، قام بتصوير ذروة نشاط تلك الجماعة حول قلعة جعاش التي استضافت الفنّانين، وكانت نصبًا فنّيّا احتجاجيّا بحد ذاتها، وشكل بذلك أحد المروجين لها من الناحية البصرية.
هوخمان هو أحد المصورين الأساسيين الذين وثقوا منعطفات أساسية في تشكيل الدولة من الناحيتين السياسية والاجتماعية، من خلال التركيز على الأماكن التي يتأثر فيها الإنسان العادي من جهاز السلطة، كما ركز على الظلم والتشويهات، والتمييز والحروب (كما كتبت طالي تمير في مقالها)؛ من بين هذه القضايا: طرد اللاجئين من قرية عمواس، احتلال حائط المبكى في القدس خلال حرب الأيام الستة، الفهود السود، بدايات مظاهرات حركة سلام الآن، مظاهرات الأول من أيار، إخلاء مستوطنة يميت، سيناء خلال حرب 1973، مصر بعد اتفاقية السلام، ثورة المواطنين في البرتغال عام 1975، برلين في سنوات الثمانينيات، مظاهرات الأمهات في الأرجنتين عام 2012 وغيرها.
يضيء هذا المعرض الحاضر على ضوء الماضي، لكنه يطرح أيضًا السؤال حول دور المصور التوثيقي في حاضرنا. التصوير الذي بدأ كوسيلة توثيقية، تطور في العديد من الاتجاهات، في حين كان الجانب التوثيقي الفرع الأصل والقاعدة التي منحت هذه الوسيلة حقها بالوجود. واليوم، فإن الحقيقة تمر بعملية من التفكيك؛ إمكانية خلق الواقع التصويري بمساعدة برامج معالجة التصوير الرقمي، "منتجة الواقع"، والأخبار الكاذبة، تثير الشكوك حول كل حقيقة فوتوغرافية كانت في الماضي بمثابة "حقيقة". في حين تعمل ما بعد الحداثة على تفكيك كل مطلق لكل تراتيبية، فإن مفهوم "التوثيقي" يتموضع من جديد على طاولة "إعادة التعريف".
يبدو للوهلة الأولى أن هذا المعرض يبرز واقع ذكوري، عالم يسيطر عليه الذكوري، والمصور ينتمي هو الآخر لهذا الصنف. لكن نظرة هوخمان تكشف عن عنف المجتمع، وتعرض تصورًا آخر، ثمّة من يقول أنه يملك جودة نسائية. فكون يوسف هوخمان رجلًا قام بجميع الأدوار "الرجولية" المخصصة للرجل اليهودي في دولة إسرائيل، أتاح له التواجد في الجزء الأكبر من الأماكن التي وثقها، أماكن لم تصلها النساء. وكان اختياره الأهم هو ما أختار أن يظهره لنا من بينها. وما اختاره يقوّض المفهوم االمُنظم، الواضح، القتالي والرجولي الذي ساد حينه، حيث كان توزيع الأدوار شديد الوضوح. ومن الناحية المفاهيم الأدبية بالإمكان وصف يسوف هوخمان كشخصية ذات ميزات "البطل المخالف للعرف".
فقد أدى دائمًا دوره وكان جزءًا من الإتوس الصهيوني والنظام وآمن بمعظم ذلك، لكنه عارض أجزاءه المظلمة، ليس كقائد، وليس كصانع للرأي العام، بل كان أحيانًا موثقًا يفرض الرقابة الذاتية على نفسه ويحتفظ بمواده لنفسه، إلى حين يصبح المجتمع قادرًا على مواجهتها. لم يكن هوخمان لوحده، ولم يعمل داخل فراغ من الوعي؛ بل متسلحًا بقيمه، وأصدقائه، منتميًا للكيبوتس والحركة، وعبر كبسة الكاميرا كان يتحدث بصوتهم.
كتب حانوخ ليفين في مسرحة "مهنة الحياة"
... أيها الأدباء والفنانون، يا عالم الثقافة، أنظروا إلينا!...
"إذهبوا إلى الجحيم"، يقول الأديب، "أنتم وحياتكم المضحكة!" –
رغم أن حياة الأديب أيضًا،
ليست أقل سخرية – "أنتم تعيقون الإنسانية!"،
يقول، "فنحن على عتبة مرحلة جديدة"، -
هم دائمًا على عتبة مرحلة جديدة – "أشخاص يُقلِعون"،
يقول، "إلى القمر، وأنتم لاصقون بالحذاء كالوحل،
وتطحنون لنا المرة تلو المرة الزبالة ذاتها!"
...لينهض أديب (فنان، مصوّر) شخص نبيل، صاحب ضمير،
له روح وقلب. فهو سيفهم. سيصغي ويفهم.
سيسمع قصة حياتنا كلها، وسيجد هو
كلمات صحيحة، وسيصنع منا شيئا جميلا،
عميقا، مليئا بالرأفة والعاطفة. فرغم جميع الأخطاء،
والعيوب، لدينا مواد أخرى للإبداع الجيد.
أيها الرب، هو سوف يفهمنا، سيفهم هو،
هو سيفهم، هو سيفهم، هو سيفهم!                                                                                                     
("مهنة الحياة" / حانوخ ليفين / 1989)           
 *إضافة من الكاتبة
هوخمان يريد شيئًا إضافيًا، إضافة إلى ما هو موجود. وهو ما زال يريد. عبر كبسات زر الكاميرا في حينه يطلب أن لا نتنازل وأن نحصل على ذلك "الإضافي" الذي فقدناه في الطريق. ذلك المبني من حجارة الطريق التي يجمعها السائر كي يتمكن من النوم جيدًا في الليل، بدون شكوك وبنفس مطمئة، كل سائر بحد ذاته وكلنا سوية كمجتمع.
تمتزج ألوان الطفولة بروائح الكيبوتس من السبعينيات والثمانينيات، ومعها الجمال الطبيعي، الاجتماعي، القيمي والأخلاقي الذي كان في الكيبوتسات، التي اجتازت جميع مناظر هذه البلاد وجغرافياتها. جيل كامل، وأنا بضمنه، تربى وتبلور على المفهوم الكيبوتسي الذي يربط بين الإنسان والكيبوتس والمجتمع والدولة. رغم الاختلافات الكبيرة، اجتمعنا من جميع أرجاء العالم، والشراكة كانت عظيمة، في جميع الدوائر: الكيبوتس، الحركة الكيبوتسية، الهستدروت، الأحزاب. البيوغرافية الواسعة كانت هي المشترك. ذلك التماس الناعم لدي هوخمان القائم بين العنصر التوثيقي القوي وتصوره المثالي بالنسبة للإنسان والمجتمع، سوية مع أعماله ذات الحجم الضخم، وهذا المنظور المتاح لنا على تلك السنوات، هو ما يشكل معًا قوة أعماله الفوتوغرافية. 
عنات ليدرور,  أمينة المعرض
 
📝 يسوف هوخمان: مصوّر / مجتمع / مصوّر | طالي تمير
Xray Saint Mural Xray Saint Mural Xray Saint Mural
Abstract Shapes Mural
Abstract Shapes Mural
Abstract Shapes MuralAbstract Shapes Mural