מפשוט למופשט -דני קרוון ועתר גבע- טקסט אוצרות בערבית


من البسيط إلى المجرد
داني كرڤان وعتار جيڤاع

داني كرڤان، 89، نحّات، مبدع وفنّان عالمي، أنتج حتى اليوم أكثر من 70 مشروعًا في البلاد والعالم، جميعها أعمال متعلقة بالمكان، تحف فنّيّة مثل النصب التذكاري (لواء) النقب، ساحة بيضاء وساحة الثقافة (هبيما). قبل نحو ثلاثة شهور عقد يوم دراسي شامل حول أعماله في بيت الفنون الإسرائيلية – الكلّية الأكاديمية تل أبيب يافا، حيث قالت إحدى المتحدثات، الفنّانة ميخال روبنر: "عندما سألت داني كيف يعرّف نفسه، قال: في الماضي كانت أقول أنني رسّام، ثم نحات، وقالوا أني باني ديكور، وبعدها قالوا أني مصمم ديكور، واليوم أقول أنني نحّات، مبدع. فأنا أفتح شبابيك جديدة، أبدأ من لا شيء، أبدأ من الصفر".

روبنر قرأت من قاموس "كلمة بكملة" لتعريف الكلمات المرادفة لكلمة مبدع: باني، خالق، مفكّر، مُسبب، منتج، مبادر، مؤسس، منفّذ، مكتشف، مولّد، رابط، مُجدد، مُنشئ، يضع بمصمته، راعي، مؤسس، مخترع، يكشف ما في قلبه، ينجز، يطور، ينمي، يقيم، يخطط، يصلح، يعمل، يشتغل، يصنع، عامل. ثم تلخص ذلك بقولها: "يوسّع أفاق كل عمل".

عتار جيڤاع، 45، وبمفاهيم عديدة فإن الطريق ما زالت أمامه، لكن إذا بحثنا عن تعريف لما يقوم به، فتلك الكلمات ليست كبيرة بالنسبة له. فهو يخلق (وأحيانًا مع شركاء) الفن في الحيّز بين الرسم والنحت؛ أحداث هي عمل فنّيّ كبير يتنفس ويدمج العديد من الفنّانين وفنهم والجمهور المشاركة في التجربة تلك، مثل مشروع "تحت المصباح" (حدث فني على ضوء مصابيح الشارع) و"آرتفطفت" (حدث فني، دراسة تدمج بين الفن، العلم والتربية). وفي جميع تلك الفضاءات نشعر أنه منفعل من الحيّز غير المسيطر عليه، من التكوين المتشكل بواسطة المادة؛ المادة هي مرة ألوان صناعية، ومرة عملية حرق لنحت صحف ومرة فنّانين وفن، مجتمع وتجربة، التي تصب كلها داخل حيّز واحد.

جيڤاع ترعرع في كيبوتس عين شيمر، والده أڤيطال جيڤاع هو فنّان مفاهيمي يعمل في خط التماس بين الفن والزراعة والتعليم) وبين يدي الفن، والفكر والمفاهيمية، والزراعة، والكيبوتس، وحركة هشومير هتسعير، وبين يدي تجارب اختبارات التجربة والبحث. وهو ما تطور لديه إلى دراسة ماهية المادة بمفهومها الواسع، والتواصل بين المجالات، بين الفن والأشخاص وكذلك الخلاصات.

ربما الكثيرين لا يعرفون اليوم بأن داني كرڤان هو الأخر وقبل جيڤاع عاش (في تل أبيب القديمة) في دفيئات شبيهة جدًا. والديه كانا من حركة هشومير هتسعير، هاجرا إلى البلاد خلال الهجرة الثالثة. والده كان مهندس معماري الحدائق الأول في تل أبيب في سنوات الأربعينيات وحتى ستينيات القرن الماضي. في شبابه كان كرڤان عضوًا في حركة هشومير هتسعير، وكان من مؤسسي كيبوتس هرئيل، الذي تفكك لاحقًا على خلفية أيديولوجية. أعماله الأولى كانت عبارة عن رسوم توضيحية لنشرات حركة هشومير هتسعير ولصحيفة دفار للأطفال.

كرڤان، في صميمه، هو إذًا عضو هشومير هتسعير، وقد أنفعل بشكل خاص خلال زياراته إلى جبعات حبيبة قبل افتتاح المعرض من القمصان الزرق في قاعة الطعام المكتظة في ساعات الظهر. فهو يأتي من هناك ويجلب من هناك الايمان العميق بأن على الفن أن يكون متاحًا للجمهور العريض وليس للنخبة فقط. لذلك سافر في سنوات الخمسينيات إلى فلورنسا لتعلم تقنية الفريسكو  (التصوير الجصي). وهناك انكشف على أهمية المكان وبأن الفن يتعلق بالمكان. وهكذا تطور مع الوقت لبصبح فنان واسع الآفاق منشغلًا في دراسة جوهر المكان، الطريق الأسهل لقول الأمور التي تحيي المكان الحي، حيث الناس هم الذين ينتجونه بصفته هذه، عبر استخدامه.
لدى كل منهما قد تكون الطريق طويلة، عير معروفة، لكن العمل الفنّي، بطريقة ما، يجب أن يصل في النهاية إلى وجوده الحقيقي، البسيط.
المكان
يلتقى الاثنان في جبعات جبيبة وفي بيت الفنون الخاص بها، جاليري جبعات حبيبة، ينموان في ومن المكان؛ جبعات جبيبة هي مكان بدأ من فكرة، مؤسسة تحولت إلى رمز وأقيمت لتكون مكانا حيا للناس. مكانا للكيبوتس، مكانا لحركة هشومير هتسعير، مكانا للمجتمع المشترك، لليهود والعرب، مكانا للفن، مكانا للشبان والكبار على حد سواء.
بسيط
هل هو مكان للبساطة؟ بيئة جبعات جبيبة، مبانيها وطرقها مبنية كلها مثل الكيبوتس: منظر العشب الأخضر الذي يمكن الجري عليه والشعور بتحرر كبير؛ مباني الباوهاوس إلى جانب أكواخ الكيبوتس القديمة؛ مباني عامة مثلما في الكيبوتس، بعضها عبارة عن جوهرة معمارية بنيت من قبل المعماريين شموئيل مستتشكين وحيليك عراد. يبرز منها أحيانًا نظرة المتوحش العاري الذي منظره يشبه مضمونه.
كرڤان وجيڤاع يخلقان البساطة لكل منهما ويكتشفان البساطة المشتركة لكل منهما.
بساطة مصدرها الطفولة والمكان، ألعاب الرمل في البحر، في ملعب الخردوات أو أكوام التراب خلف الجدار.
عمق
صحيح أنه من البسيط بالإمكان افتراض البساطة، أو المبسط، لكن جوهره الحقيقي هو العمق. عرضه وانفتاحه يتركان خيارات هي أكبر من فكرته، ومواده وحتى روحانيته. البسيط يبدأ من خاصيته الأساسية، الاستعمالية، الفيزيائية التي تتضمن طبقات عديدة من المفاهيم التجريدية وحتى ما وراء الفيزياء بماهية واحدة. كي يصل إلى البساطة كفنّان ناضج يجب تطوير كلا المفهومين: القدرة على البحث والدراسة المتعلقان بالتجربة والزمن (جيڤاع) ومن حلال الاصغاء الكامل للمكان (كرڤان)؛ التواصل مع الطفولة..
"الطريق البسيطة هي الأعمق"، كتب داني لعتار قبل بضع أسابيع.
عمق البسيط لا يأتي صدفة من المجرّد. فهذا يتعلق بشكل فهم ماهية الفن التجريدي.
تجريدي
كلاهما مبدعان تجريد، حقيقي، حي، يومي، بل سامي في مهارته. تجريد متناغم لكنه مفهوم يتشكل ويحدث من خلال استخدام البنات والضوء، الرمل والتراب، الهندسة والصناعة، الفن التجريدي الذي ابتعد عن الطبيعة كتمثيل واقعي، يعود لدي كرڤان وجيڤاع إلى الطبيعة من مكان آخر. يعود لدى عتار جيڤاع في الإمكانيات العديدة، ولدى داني كرڤان في الإمكانيات العديدة التي تتداخل الواحدة في الأخرى، والتي تصبو لدى الاثنين إلى المتناغم المثالي الحي.
تشكل الفن التجريدي في فترة الإحساس بخلق عالم جديد، أفضل، مرحلة جديدة، سويّة، مع قيم الحرية والاشتراكية ("فرحة للنفس، ولحم للفقير، تشرنيخوفسكي). فقد تطلع الفنّانون في تلك الفترة إلى التصحيح الفني. لقد تولد التجريد. وفي اليوم الدراسي على شرف كرفات كتبت روبنر مقتبسة من أقوال موتي عومر في أحد الكتالوجات عن داني كرفان:
"كرفان يصغي، ويستجيب لمتطلبات ومعطيات الزمان والمكان. يؤمن كرفان في الحاجة إلى غرس مضامين في خصائص العمل الفني من خلال الايمان بأن القيمة الأساسية للعمل الفني هو عملية التصحيح. تصحيح إلى الحي، النبات، المجتمع، البيئة القريبة أو العالم كله".
لدى كرفان وجيباع هو اللقاء، مقولة وخلق مكان، بين الفن التجريدي والفكرة والقيم الإنسانية.
إنه خيار واع بنظرة ساذجة لا تقبل بالسخرية. نظرة تصر على تذكّر المصدر الأولى للإبداع، حتى بعد قيامه بجولة كاملة من البحث والاصغاء ووصل إلى التجريد وعمقه، وخلاصته وطبيعته.
المادة
مواد العمل الفنّيّ مثل الرمل، شجرة الزيتون والحمضيات كمواد فنّيّة لدى كرفان (ولدى جيباع أيضًا) تتحول إلى أعمال فنية متواصلة غير متناهية. واللون لدى جيباع ينسكب، يتمدد كرغبته، يسيل، يتراص ويستقر، "في محاولة لفقدان والعثور عليه من جديد" (عتار جيباع)، مثل عمليات الحرق النحتية، مع الرائحة المرافقة لها، تسأل عن دور سيرورات العمل نفسه كمنتجة مشاركة. والشركاء لدى كرفان هم اروح والأجواء، والضوء والظل، حركة الرمل المنسكب على الشاطئ.
لدى الاثننين، التجريد هو العلاقة بين الهندسي والشكل الطبيعي، بين المادة الصناعية (الباطون، الخشب، الفولاذ، المرآة، اللون) وبين مواد الفن الطبيعية. وللزمن وزنه الكبير، يبدو أنهما يريان فيه مادة أخرىح هكذا هو الضوء، الأبيض؛ كذلك طيف ألوان الأسود – الأبيض، اليوم – الليل، الضوء – الظل. المادة الأخيرة التي ترافق العمل دائمًا هي الانسان، الحلقة الواصلة بين كل شيء.
_________________________________
حركات متكاملة تتشكل في العالم كرد فعل على الفائض الكمي، والمحفزات، والعرض، والمنافسة، والامكانيات. وهي تشعر بالبساطة كتصور وهي رد جيد للمشاكل الكبيرة التي تحدث في العالم الآن. ولا بد أن الجيل الشاب يوافق على ذلك. أيضًا كرفان وجيباع يعتقدان ذلك من خلال انتاجهما للفن الحي بأفضل أشكاله.
_________________________________
شكر خاص وكبير لكوبي شريه على التفكير، الإنتاج، البناء والتركيب، لأعمال داني كرفان تطوعًا.

عنات ليدرور ونوعه كرڤان كوهن، قيّمات المعرض
بعد الخاتمة. الكيبوتس
يتأمل هذا المعرض في فكرة الكيبوتس الذي كان كل من كرڤان جيباع عضوا فيه وولد في داخله وتواصل معه.
فهل قيم البساطة التي كانت جزءا طبيعيا منه ومن فكره هي جوهرية بالنسبة له؟ هل الكيبوتس، فكرة الكيبوتس وما يمكنه أن يكون بتأثيره المتجدد على المجتمع اليوم، يتنازل عن تلك البساطة المنفتحة والعميقة، خلاصة الأشياء كنهج؟ أم أنه يقرر البحث عن تعريف له في تشكلاته في القرن الحادي والعشرين؟

الكثيرون يرغبون اليوم في الانتقال للكيبوتس. لماذا؟ بسبب تلك البساطة التي يفتقدونها جدًا اليوم.
في القوت نفسه، هناك في الداخل، مجتمعات كاملة في الكيبوتس تتعامل اليوم أكثر وأكثر في التواصل مع حياة الراحة والترف، إلى "الخاص، الشخصي". فهل الكيبوتس المتجدد سوف يتوقف ليفحص هل من الضرورة خسارة هذه الخلاصة الثمينة.

عنات ليدرور